أحمد الشرباصي

16

موسوعة اخلاق القرآن

عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 1 » » . ولقد ذكر الاصفهاني في كتابه « المفردات » أن معنى الأمانة هنا فيه أقوال ، هي : كلمة التوحيد ، أو العدالة ، أو حروف التهجي ، أو العقل ، ثم مال إلى اختيار معنى العقل ، لأنه في رأيه يشمل الأقوال السابقة ، فقال عنه : « وهو صحيح ، فان العقل هو الذي بحصوله تتحصل معرفة التوحيد ، وتجري العدالة ، وتعلم حروف التهجي ، بل لحصوله تعلم كل ما في طوق البشر تعلمه ، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله ، وبه فضّل ( الانسان ) على كثير من خلقه » . ولكن الأقرب إلى القبول في معنى « الأمانة » هو أنه يراد بها التكاليف والحقوق المرعية التي أودعها اللّه المكلفين ، وائتمنهم عليها ، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد ، وأمرهم بمراعاتها وأدائها والمحافظة عليها ، من غير اخلال بشيء من حقوقها ، وفي كتابي « يسئلونك في الدين والحياة » إجابة على سؤال يتعلق بتفسير هذه الآية ، وقد جاء في الإجابة ما يلي : « هذه الآية الكريمة جاءت في سورة الأحزاب ، والمقصود منها - واللّه أعلم بمراده - هو تصوير خطورة التكاليف التي كلف اللّه بها الانسان ، فمن شأن هذه التكاليف أنها تحتاج إلى القلب السليم والعقل القويم والتصرف المستقيم ، فلو أن هذه التكاليف عرضت على السماوات بشمسها وقمرها وكواكبها ، أو على الأرض بما فيها وما لها من ضخامة ، أو على الجبال بعلوها وشموخها ، لتخلّص من تبعاتها ، لا تمردا ولا عصيانا ، بل خوفا ورهبة واشفاقا .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية 72 .